Magazine

وقفات مع الصائمات

01

الحمد لله مقلب الأعوام عامًا بعد عام، والشهور بعد الشهور والأيام بعد الأيام {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ} [النور: 44]، والصلاة والسلام على الهادي البشير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

فمرحبًا أهلاً وسهلاً بالصيام *** يا حبيبًا زارنا في كـل عـام

قد لقينـاك بحـب مفعـم *** كل حب في سوى المولى حرام

أختي الصائمة، أطل علينا شهر عظيم، أوَّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، شهر القرآن والصيام، شهر الجهاد والنصر، شهر مضاعفة الحسنات والتوبة والغفران، هو سيد الشهور، فمرحبًا به وأهلاً.

أختي الصائمة، في هذه الرسالة وقفات ونصائح، تقبليها من مُحِبَّةٍ لكِ في هذا الشهر الكريم، لعل الله أن يتقبل منا ومنك الصيام والقيام، إنه جواد كريم.

أولاً: احمدي الله -أختي الصائمة- على هذه النعمة العظيمة، وهي إدراك شهر رمضان، فشمري عن ساعد العزم، واعقدي على التوبة من الآن، وأري الله من نفسك خيرًا في هذا الشهر الكريم، فلعلك لا تدركينه في عامك المقبل.

كم كنت تعرف ممن صام من سلف *** من بين أهـل وجيـران وإخوان

أفناهم الموت واستبقـاك بعدهـم *** حيًّا فما أقرب القاصي مـن الداني

ثانيًا: لا تكثري من شراء الأطعمة والمأكولات عند بداية هذا الشهر، كما هو حال كثير من الناس؛ فشهر رمضان هو شهر الصيام، وليس شهر الأكل والشرب، واعلمي أنه جعل هناك وجبتين فقط في هذا الشهر، هما وجبتا السحور والإفطار؛ للتخفيف على العبد، حتى يستطيع أن يقوم بحقوق الله في هذا الشهر من صيام وقيام وتلاوة للقران.

وتذكري أن من فوائد الجوع الآتي: صفاء القلب ورقته، كسر الشهوة في النفس، صحة البدن، التفرغ للعبادة، تذكر حال الفقراء والمساكين، شكر النعمة.

ثالثًا: اغتنمي هذه الأيام، واجعلي هذا الشهر شاهدًا لك عند الله يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، وأري الله من نفسك خيرًا، واسألي الله القبول؛ فإنه علامة على التقوى، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

رابعًا: لا تجعلي يوم صومك ويوم فطرك سواء، فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والغيبة والنميمة، وليكن عليك وقار وسكينة في يوم صومك.

خامسًا: عودي أبناءك على صيام هذا الشهر العظيم، واجعلي بينهم مسابقة لقراءة جزء من القرآن الكريم مع حفظ وجه واحد، مع جائزة قيِّمة لمن يصوم أكثر أيام من غيره.

سادسًا: اجعلي نيتك خالصةً لوجه الله الكريم وأنت تقومين بإعداد الإفطار، واحتسبي عند الله -تعالى- أجر تفطير الصائم، وإن كان زوجك وأبناءك وأفراد عائلتك؛ فإن العمل بالنية، لقول الرسول : “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”، وقوله: “من فطر صائمًا كان له مثل أجره…”.

سابعًا: اجعلي لك رفيقًا دائمًا وأنت في داخل المطبخ للطهي وإعداد الطعام، ألا وهو جهاز المذياع، حتى تنتهي من إعداد الإفطار، وأنصتي بجميع جوارحك لما يقال فيه من الخير العظيم في إذاعة القرآن الكريم. فهذه الإذاعة المباركة تقدم العلم النافع، وتنتقل بك من روضة إلى روضة، ما بين تلاوة وحديث وفتوى من عالم ونصائح وفوائد، يقول سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: “أنصح جميع المسلمين باستماع برامج إذاعة القران الكريم؛ لأن فيها نفعًا وخيرًا كثيرًا”.

ثامنًا: احذري -أختي الصائمة- من العكوف على القنوات الفضائية التي يزيد شرها في هذا الشهر الكريم، والتي تبث الأفلام والمسلسلات الهابطة والفوازير الماجنة، حيث تذهب بروحانية الصيام، قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء: 36]. وقال الرسول : “لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع” منها: “وعن عمره فيم أفناه”.

تاسعًا: حاولي جاهدة الانتهاء من إعداد الإفطار قبيل الأذان بربع ساعة، واجعليها لقراءة القرآن والدعاء والاستغفار، فإن للصائم في هذا الوقت دعوة لا ترد. ولا تنسي أولادك وأهل بيتك وجميع المسلمين من صالح دعائك.

عاشرًا: عجلي بالإفطار بعد غروب الشمس مباشرة؛ لحديث سهل بن سعد  عن النبي  قال: “لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور”[1]. ولا تغفلي عن البسملة قبل الأكل، وأفطري على تمر إن تيسر ذلك، ثم رددي مع المؤذن ما يقول، واسألي الله الوسيلة والفضيلة لنبيك محمد .

الحادي عشر: لا تكثري من الأكل؛ لأنه يثقل البدن، ويدعو إلى التكاسل عن العبادة وصلاة التراويح وقيام الليل.

الثاني عشر: بادري إلى مصلاك بعد سماع أذان العشاء، فصلي الفريضة وما كتب الله لك من صلاة التراويح.

الثالث عشر: جاهدي نفسك في هذا الشهر، واجعلي لك ساعة من الليل لصلاة التهجد والقيام في وقت هجع فيه الأبناء، وهدأ المنزل من الضوضاء.

ولا بأس بأن تمسكي بالمصحف للقراءة منه، وناجي رب البريات وخالق الأرض والسموات، وانطرحي بين يديه واسأليه العفو والصفح ومغفرة الذنوب، والثبات على الحق حتى تلقينه، فرُبَّ دعوةٍ صادفت بابًا من السماء مفتوحًا نال صاحبها سعادة الدارين.

الرابع عشر: اجتنبي -أختي الصائمة- التطيب من طيب تظهر رائحته، إذا كنت ممن يذهب إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، وكذلك الحذر من عدم التستر في اللباس؛ لأن بعض النساء -هداهن الله- يخرجن إلى صلاة التراويح وهن متبرجات متعطرات، وقد أبدين بعض مفاتنهن.

والمرأة المسلمة مأمورة بالتستر والحجاب الكامل، فما بالك بمن خرجت للصلاة في هذا الشهر الكريم!!

الخامس عشر: في العشر الأواخر من رمضان ليلة هي خير من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1-5]. وهي في الأوتار كما أخبر بذلك المصطفى ، أي ليلة (21- 23- 25- 27- 29).

ومع ذلك فإن كثير من النساء -هداهن الله- يضيعون هذه الليالي العظيمة في الأسواق؛ لشراء ملابس العيد أو حلوى العيد، وهذا من الجهل والخطأ، فقد كان النبي  “إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله”[2].

السادس عشر: لا تتكاسلي إذا جاءك العذر الشرعي[3]، فأنت منهية عن الصيام والصلاة فقط، أما الأعمال الأخرى فلست منهية عنها، من دعاء وذكر الله وتسبيح وتهليل واستغفار.

السابع عشر: إياك من النكوص والعودة إلى المعاصي التي كنت عليها قبل رمضان، فلا تكوني مثل التي {نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92]، وتذكري ما كنت تعملينه من صيام وصلاة وتلاوة قرآن وإخبات إلى الله.. تذكري روحانيات رمضان، وكيف كنت تعيشين في سعادة وطمأنينة وعيشة هنيئة، فكيف تريدين العودة إلى حياة الشقاء والضنك؟! وصدق الله إذ قال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طـه: 124].

واعلمي -أختي الصائمة- أنك قد تتخطفك يد المنون وأنت قد خنت العهد مع الله، بعد أن أعلنت التوبة إليه، وبكيت بين يديه، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور.

الثامن عشر: عليك بالقضاء بعد رمضان حتى تدركي صيام ستة أيام من شوال؛ لقول المصطفى : “من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر”[4].

أخيرًا، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياك ممن تقبل الله منه الصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن لا يجعل هذا العام آخر عهدنا برمضان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] رواه البخاري ومسلم.

[2] رواه البخاري ومسلم.

[3] ملحوظة: قد تحيض البنت وعمرها تسع سنوات، فيجب عليها الصيام عند ذلك، ولا تنتظر إلى أن تبلغ خمس عشرة سنة من عمرها.

[4] أخرجه البخاري ومسلم.

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top