Magazine

لمحات من رحمة سيد المرسلين

11

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107)، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(التوبة:128)، هكذا وصفه ربه تبارك وتعالى في قرآنه المجيد.. وقال هو عن نفسه صلى الله عليه وسلم: [أنا نبي الرحمة](رواه مسلم)، وقال: [يا أيها الناس! إنما أنا رحمة مهداة](رواه الحاكم).

وقد بلغت رحمته صلى الله عليه وسلم مبْلغاً عجيباً في الكمال والسعة، حيث شملت تلك الرحمة الناس جميعاً؛ الضعيف منهم والقوي، والعبد والسيد، والقريب والبعيد، والصاحب والعدو، بل امتدت شفقته ورحمته صلوات الله وسلامه عليه لتشمل الطير والحيوان، ولا عجب في ذلك فالذي أوجد تلك الرحمة وغرسها في قلبه هو ربه سبحانه.

الرحمة بالكافرين
لقد آثرت أن أبدأ بالحديث عنها قبل الحديث عن رحمته بالمؤمنين حتى يعلم الناس أن رحمته لم تتوقف عند المسلمين المؤمنين به، الذين يعتقدون عقيدته، ويدينون بدينه، بل شملت حتى الكافرين به، وليعلم الجميع أن رحمته عامة كما قال: [أنا نبي الرحمة](مسلم). وقال: [لا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لا يرحم النَّاسَ](البخاري).. وكلمة الناس تشمل كل أحد من الناس، دون اعتبار لجنسهم أو دينهم.

ومن صور رحمته بالكفار:
بذل الجهد واستفراغ الوسع في دعوتهم إلى الإسلام واستنقاذهم من النيران، والحرص الشديد على إخراجهم من الشرك والضلال إلى الهدى والإيمان، [وأنا آخذ بحجزكم (يعني عن النار) وأنتم تفلتون مني]، والصبر على أذاهم وكيدهم ومكرهم، وحزنه الشديد على إعراضهم عنه وعدم قبولهم منه حتى كاد يقتله الحزن كما قال الله له: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} أي قاتلها من الحزن.. وقوله: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}..

كل هذا الأسى والأسف والحزن على الرغم من تعدد أشكال الأذى الذي ذاقه منهم، وتعدد أنواع الاستهزاء الذي طاله على أيديهم وألسنتهم.. كسروا رباعيته، وشجوا وجهه، وقتلوا عمه وأقاربه وأصحابه، ومع ذلك يقول: [اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون]، وعندما ذهب إلى ثقيف يدعوهم أسمعوه من الأذى والسخف ما لم يسمعه من قبل، وسخروا منه بما لم يسخر بمثله أبدا، وآذوه وضربوه بالحجارة حتى أدموا عقبه وأصابوه وأصابوا زيدا مولاه، وطردوه من البلد شر مطرد، ومع ذلك عندما جاءه ملك الجبال يستأذنه في أن يهلكهم ويطبق عليهم الأخشبين انتقاما له منهم قال: [بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا](رواه البخاري). ولم تزل هذه حاله معهم: الإعراض عن أذيَّتهم، والحلمِ عن جهالتهم، ومقابلة ذلك بحرصه البالغ على دعوتهم وهدايتهم، وإنقاذهم من النار، والدعاء لهم بالهداية:

قل له الطفيل الدوسي: يا رسول الله إن دوسا قد كفرت وأبت فادع الله عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: [اللهم اهد دوسا وائت بهم](رواه مسلم).
وجاءه الأنصار فقالوا: يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال ـ صلى الله عليه وسلم: [اللهم اهد ثقيفا]، قالوا يا رسول الله ادع عليهم، فقال: [اللهم اهد ثقيفا، اللهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا](رواه الترمذي).

وقيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: [إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة](رواه مسلم عن أبي هريرة).

وأهل الكتاب أيضا:
وكان من رحمته بهم وبأهل الكتاب ـ زيادة على ما سبق ـ أنه كان يعود مرضاهم ويدعوهم للإسلام ويفرح بإسلامهم كما فعل مع الغلام اليهودي الذي كان يخدمه، لما مرض عاده ودعاه للإسلام، فلما أسلم خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول: [الحمد لله الذي أنقذه من النار](رواه البخاري).

وكان ينهى عن قتل المعاهدين من أهل الذمة ففي البخاري: [من قتل معاهداً لم يرح (يشم) رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً](رواه البخاري).
بل وينهى عن ظلمهم ويقول: [ألا من ظلم معاهَدَاً، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة](رواه أبو داود).

وفي المعارك والحروب كان ينهى جنود الإسلام عن قتل من لم يشارك في المعركة من الكافرين، كالرهبان والنساء والشيوخ والأطفال، والأجراء ويقول لجنوده: [اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا](رواه مسلم). ولما رأى امرأة مقتولة بعد إحدى المعارك، غضب وقال: ما كان لهذه أن تقاتل، ونهى عن قتل النساء.

رحمته بالمؤمنين:
وأما رحمته بالمؤمنين فشيء عظيم لا يمكن حصره ولا عد مواقفه، فقد كانت حياته كلها رحمة بأمته، وكذلك كانت وفاته.. وقد حرص عليها في حياته وحياتهم وبعد وفاته ومماتهم.. فاختزن لهم الدعوة المستجابة لتكون شفاعة لهم يوم القيامة خصوصا أهل الكبائر والذنوب منهم، وما زال يدعو ربه لهم ويبكي ويتوسل إلى ربه: [يارب أمتي.. يارب أمتي]، حتى أرسل الله إليه جبريل ليخبره “أن الله لن يسوءه في أمته”.

وفي الدنيا كانت شفقة لا حد لها ورفقا لا مثيل له، يعلم جاهلهم، وينصح مستهديهم، ويقيل عثراتهم، ويستغفر لمذنبهم ومسيئهم، ويعين الفقير والمسكين وذا الحاجة، ويعطف على الصغار ويرحم الكبار، ويترك العمل الذي يحب خشية أن يفرض عليهم، ويطالب أئمتهم بالتخفيف رفقا بالضعفاء والمرضى وذوي الحاجات، ويصبر على من بال في المسجد وينهى عن أذيته، ويعلم من تكلم في صلاته حتى يراه أحسن الناس تعليما وتأديبا ونصحا. وأنا لا أريد أن أطيل النفس في هذا لشهرته بين الناس ولعموم العلم به عند الجميع.

الرحمة بالنساء:
وهذا جانب من جوانب الروعة والتجلي في رحمته صلوات الله وسلامه عليه، فقد استنقذ المرأة مما كانت فيه بروعة الإسلام، فرد للمرأة اعتبارها، وجعلها قسيما للرجل إيمانا وتكليفا وتكريما وأهلية وتحملا للمسئولية: [إنما النساء شقائق الرجال].

ورفع قدرها وأعلى مكانتها، أما وأختا، وبنتا، وزوجة، فالجنة تحت أقدام الأمهات، وليس شيء أعظم من البر، وحق الأم مقدم على كل حق بعد حق الله تعالى، ومن عال جاريتين فأحسن تأديبهما وصحبتهما كن سترا له من النار، وجعل خيرية الرجال في الإحسان إلى أهليهم وأزواجهم [خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي]، وحرج حق الضعيفين المرأة واليتيم، وأمر بعموم الرفق بها على كل حال فقال: [رفقا بالقوارير]. واستوصى بها خيرا فقال: [ألا فاستوصوا بالنساء خيرا].
ولولا كثرة الآيات والأحاديث لجلبنا منها ما يدل على مكانة المرأة في هذا الدين، ومدى ما شملها به النبي من العناية والرحمة.. غير أنه يكفي من القلادة ما يحيط بالعنق.

الرحمة بالشباب:
نال الشباب من رسول الله صلى الله عليه وسلم عناية فائقة فهم العدة والذخيرة والواقع والمستقبل القريب، فكانت العناية بعفتهم وطهارتهم ونظافتهم بعد العناية بإيمانهم.. فالعناية بالإيمان كما في حديث معاذ: [أتدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله]، والعناية بطهارتهم كما في حديث ابن مسعود: [يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج]، والصيانة لهم والشفقة بهم كما في حديث الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا.. فرفق به وما زال يناقشه ويحاوره حتى أقنعه بترك المحرم وكراهيته وبغضه، ثم مسح على صدره ودعا له بالهداية؛ فزال ما في قلبه من حب الزنا والحرام.

ومن تلطفه بهم وشفقته عليهم ما حدث به مالك بن الحويرث رضي الله عنه فقال: [أتينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة ـ وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحيما رقيقاـ فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عن من تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم](مسلم).

الرحمة بالأطفال
أما الأطفال الذي هم رجال الغد وذخيرة المستقبل، فكان هديه الاهتمام بهم وبتنشئتهم، لعلمه بحاجتهم بوجه خاص إلى الكثير من الحب والرحمة والشفقة، فكان أرحم الناس بالأطفال، كما قال أنس: [ما رأيتُ أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم](رواه مسلم).

فكان معهم أباً حنوناً، شفوقاً رحيماً، يداعب ويلاعب، وينصح ويربي، ومن ثم صنع من الأطفال والصغار رجالاً، وأنشأ منهم جيلاً مثاليًّا في إيمانه وأخلاقه ومعاملاته.

وقد تجلّت رحمته وشفقته صلى الله عليه وسلم بالأطفال في كثيرٍ من المظاهر والمواقف: فكان يسجد في الصلاة فيرتحله الحسن أو الحسين فيطيل بالناس جدا حتى يقضي الصغير نهمته ولا يعجله (وأصله في المسند)، وكان ابن الزبير يأتي فيصعد على عنقه وهو يصلي، وربما مر بين رجليه وهو راكع فيوسع له بين رجليه، ويصلي ويحمل أمامة الصغيرة حتى إذا ركع وضعها فإذا قام حملها، ويذهب لبيت ابنته فاطمة ليسأل عن حفيده الصغير، فإذا خرج إليه حمله وقبله ووضعه في حجره ودعا له، (راجع صحيح البخاري).

وليس هذا لأقاربه وأحفاده فقط وإنما لكل أبناء المسلمين، فكان إذا ولد لهم ولد جاءوا به إليه فيحنكه ويسميه ويدعو له كما حدث لابن أبي طلحة عبد الله أخي أنس، وكان المسلمون يأتون إليه بأبنائهم فيضعهم في حجره فربما بال أحدهم على ثياب النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتبرم ولا يتغير، وكان يتعاهد الصغار ويسأل عنهم كما في قصة أبي عمير صاحب النغير، وربما استقبله الصغار خارج المسجد بعد الصلاة فيأخذهم ويقبلهم واحدا واحدا ويمسح على وجوههم بيديه الشريفتين، وربما وجههم وعلمهم برفق كما في حديث عمر بن أبي سلمة [ياغلام.. سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك]، وربما علمهم العلم والعقيدة كما في حديث ابن عباس: [ياغلام.. احفظ الله يحفظك]، وغيرها كثير وكثير.

ودعا للإحسان إليهم وتقبيلهم والتودد إليهم واعتبر العري عن ذلك نزعا للرحمة من القلب كما في حديث الأقرع بن حابس: (إنّ لي عشرة من الولد، ما قبّلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ قال: من لا يَرْحم لا يُرْحم]. وفي رواية: [أوَأملِكُ لك أن نزَعَ اللهُ من قلبِك الرحمةَ؟] (رواهما البخاري).

وكان يدخل في الصلاة وهو ينوي الإطالة، فيسمع بكاء الطفل الصغير فيقصرها ويخففها، شفقة على الطفل ورحمة به وبأمه.. كما في البخاري عن أنس.

الرحمة بالحيوان
لقد ملأ هذا الخلق حياة الحبيب حتى تخطى الرحمة بالإنسان إلى الرحمة والرفق بالحيوان، ومن ذلك ما رواه البخاري في باب رحمة الناس والبهائم حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم: [ما مِنْ مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة].

وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: [كنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرةً (طائر صغير) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش (تقترب) من الأرض، فجاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: من فجع هذه بولدها؟، ردوا ولدها إليها](رواه أبو داود وصححه الألباني).

وأخبر عن المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت فأدخلها الله النار، وعن المرأة البغي التي سقت الكلب العطشان، وكذلك الرجل الذي نزل البئر فسقى الكلب الذي يلهث الثرى من العطش، فغفر الله لهما برحمتهما لهذا الحيوان.

وما زال يأمر بالإحسان إلى الحيوان حتى أمر بالإحسان إليه عند الذبح أو حتى القتل: [إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته].
فسبق برحمته كل ما يسمى اليوم بجمعيات الرفق بالحيوان بألف وأربعمائة عام.. فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top