Magazine

كيف نصلح حال بيوتنا؟

اصلاح بيتنا

حينما نطرح سؤالًا مثل هذا نجد أنه يشمل عدة اتجاهات مهمة، فالبيت هو اللبنة الأولى في المجتمع؛ إذا صلح البيت صلح المجتمع، وإذا فسد سيكون هناك خلل في المجتمع.

يقول الله -عز وجل-: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا . (سورة النحل الآية 80).

قال ابن كثير -رحمه الله-: “يذكر -تبارك وتعالى- تمام نعمه على عبيده، بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها ويستترون، وينتفعون بها سائر وجوه الانتفاع”.

فالمؤمن مكلف من الله -عز وجل- بهداية أهله وإصلاح بيته، كما هو مكلف بهداية نفسه وإصلاح قلبه، نحن نعلم أن أول واجبات المسلم أن يوجه أهله إلى أداء الفرائض التي تصلهم بالله، وما أروع الحياة في ظلال بيت أهله كلهم يتجهون إلى الله، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (التحريم: 6).

ومن هنا نقول: إن الدوافع إلى إصلاح البيوت كثيرة، من أهمها:

 أن في هذه الآية يأمر الله -عز وجل- عباده المؤمنين بأن يؤدوا واجبهم في بيوتهم، من التربية والتوجيه والتذكير؛ ليقوا أنفسهم وأهليهم النار.
أن رب البيت مسئول عن الرعية التي تحت يده، يقول -صلى الله عليه وسلم-: ) إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته (.
ومن الدوافع أن البيت هو المكان لحفظ النفس، والسلامة من الشرور وكفها عن الناس، وهو الملجأ الشرعي عند الفتنة، يقول -صلى الله عليه وسلم-: ) طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته (، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ) خمس من فعل منهن كان ضامنا على الله: من عاد مريضًا، أو خرج غازيًا، أو دخل على إمامه يريد تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته فسلم الناس منه وسلم من الناس(.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ) سلامة الرجل من الفتنة أن يلزم بيته (.

 وهناك فائدة عظيمة لصلاح البيت، حيث إنه الملجأ عندما لا يستطيع أن يغير كثيرًا من المنكرات، وهو أيضًا ملجأ من كل عمل محرم، سواء في نفسه أو أهله.
وكذلك أن الناس يقضون أكثر أوقاتهم في الغالب داخل بيوتهم، ولا بد من صرف الأوقات في الطاعات، وإلا ستضيع في المحرمات.
ومن أهم الدوافع على الإطلاق أن الاهتمام بالبيت هو الوسيلة الكبيرة لبناء المجتمع المسلم، فإن المجتمع يتكون من بيوت هي لبناته، والبيوت أحياء، والأحياء مجتمع، فلو صلحت اللبنة لكان مجتمعًا قويًّا بأحكام الله، صامدًا في وجه أعداء الله، يشع الخير ولا ينفذ إليه شر.
وبصلاح البيوت يخرج لنا الداعية القدوة، وطالب العلم، والمجاهد الصادق، والزوجة الصالحة، والأم المربية، وبقية المصلحين.

وهذا الموضوع ذو أهمية عظيمة؛ يجب علينا كمصلحين أن نهتم به ونركز على أهم أسباب الإصلاح، ومن أقوى وأعظم الأسباب:

1. الزوجة الصالحة، حيث وجهنا ديننا الحنيف إلى حسن اختيار المرأة الصالحة، فهي خير معين على تكوين بيت صالح يسد ثغرًا من ثغور المسلمين، يقول الله -عز وجل-: ﴿  وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم [سورة النور الآية 32].

ينبغي على صاحب البيت انتقاء الزوجة الصالحة بالشروط الآتية:

1. ” تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجملها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ” متفق عليه، ويقول أيضًا: ) الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ( رواه مسلم.

2. تعليم أهل البيت الدين وما يتعلق بالبيوت من أحكام شرعية، قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: (باب تعليم الرجل أمته وأهله)، ثم ساق حديثه -صلى الله عليه وسلم-: ) ثلاثة لهم أجران: … ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران (.
قال ابن حجر -رحمه الله- في شرح الحديث: مطابقة الحديث للترجمة -أي عنوان الباب- في الأمة بالنص، وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله آكد من الاعتناء بالإماء.

وفي غمرة مشاغل الرجل ووظيفته وارتباطاته قد يغفل عن تفريغ نفسه لتعليم أهله، فمن الحلول لهذا أن يخصص يومًا يجعله موعدًا عامًّا لأهل البيت، وحتى غيرهم من الأقرباء، لعقد مجلس علم في البيت، ويعلم الجميع بهذا الموعد، فينضبط حضورهم فيه، ويتشجعوا لإتيانه، ويصبح ملزمًا أمامهم وعند نفسه بالحضور، وإليك ما حصل منه -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن.

3. أن يكون البيت عامرًا بالذكر، حيث وردت أحاديث تدل على مكانة الذكر في حياتنا اليومية، ومن ذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ) مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت (.

4. جعل البيت مكانًا للعبادة، وخاصة في حال الاستضعاف.
ضرورة وجود مكتبة في البيت، سواء المقروءة أو الصوتية، وليس بشرط أن تكون كبيرة؛ فالعبرة بالكتب الموجودة فيها.

5. حفظ أسرار البيوت:
وهذا يشمل أمورًا منها:
– عدم نشر أسرار الاستمتاع.
– عدم تسريب الخلافات الزوجية.
– عدم البوح بأي خصوصية يكون إظهارها ضرر بالبيت أو أحد أفراده.
فأما المسألة الأولى فدليل تحريمه قوله -صلى الله عليه وسلم-: ) إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها ( (رواه مسلم 4/157). ومعنى يفضي: أي يصل إليها بالمباشرة والمجامعة كما في قوله تعالى: ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض [سورة النساء الآية 21].

6. التخلق بخلق الرفق، فأمره عظيم وقد دل حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هذا: ) إذا أراد الله -عز وجل- بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق ( رواه الإمام أحمد في المسند، فالرفق نافع جدًّا بين الزوجين، ومع الأولاد، ويأتي بنتائج لا يأتي بها العنف كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ) إن الله يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه ( رواه مسلم.

7. مساعدة ومعاونة أهل البيت في عمل البيت، كثير من الرجال يأنفون من العمل البيتي، وبعضهم يعتقد أن مما ينقص من قدره ومنزلته أن يخوض مع أهل البيت في مهنتهم. فأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد كان ) يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ( رواه الإمام أحمد في المسند.

8. اختيار الجار ذو الصفات الحسنة، فالجار في عصرنا له مزيد من التأثير على جاره، بفعل تقارب المساكن، وتجمع الناس في البنايات والشقق، والمجمعات السكنية.
وقد أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أربع من السعادة، وذكر منها: الجار الصالح، وأخبر عن أربع من الشقاء وذكر منها: الجار السوء. رواه أبو نعيم في الحلية.

ولخطر هذا الأخير كان -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ منه في دعائه فيقول: ) اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة -أي الذي يجاورك في مكان ثابت- فإن جار البادية يتحول ( رواه الحاكم.

مما ينور بيوتنا ويجعل فيها الخير والبركة ويبعدها عنها الشياطين ما يلي:

1ـ قراءة سورة البقرة، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن البيت الذي تقرأ فيه لا يدخله شيطان.
2ـ الإكثار من صلاة النافلة.
3ـ الإكثار من تلاوة القرآن وذكر الله تعالى عمومًا، وخصوصًا أذكار الصباح والمساء، ودخول المنزل والخروج منه، ونحوها.
4ـ الحرص على عدم وجود منكرات داخل البيت أو أشياء محرمة كمشاهدة الأفلام الخليعة، أو صور يحرم نظرها.

 وإذا كان البيت عامرًا بذكر الله تعالى، خاليًا من المحرمات والمنكرات، مع اتصاف أهله بالاستقامة على أوامر الله تعالى، فستصلح كل أموره، ويكون مباركا على أهله ويعيشون في سعادة ووئام.

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top