Magazine

كيف عرفنا ماذا يوجد في باطن الأرض؟

555

تواجد البشر في جميع أنحاء المعمورة. لقد سكننا على الأرض، وطرنا إلى الفضاء، وغصنا إلى أعمق نقطة في المحيط، وصعدنا إلى القمر، ومع ذلك فنحن لم نتمكن من الوصول إلى باطن الأرض.

يقع مركز الأرض على عمق 6.000 كم، حتى أن أبعد نقطة عن هذا المركز تقع على عمق 3.000 كم تحت أقدامنا، في حين أن أعمق نقطة تمكن الإنسان من الوصول إليها هي بئر كولا العميقة في روسيا وتصل إلى عمق 12.3 كم فقط.

تحدث جميع العمليات الحيوية على سطح الأرض أو تكون قريبة من ذلك. على عمق بعض مئات الكيلومترات تُنتج الحمم التي تنبعث من البركان، حتى الألماس الذي يتطلب ضغطًا وحرارةً هائلتين ليتشكل، يوجد في عمق أقل من 500 كم.

إن ما يحدث في الأسفل يلُفه الغموض وعلى ما يبدو أنه يستعصي على الإدراك. بالرغم من ذلك فإننا نعرف قدرًا مدهشا من المعلومات حول كيفية تشكل باطن الأرض قبل بلايين السنين دون الاستعانة بعينة مادية واحدة. هكذا اكتشف باطن الأرض!

يقول سايمون ريدفرن الباحث في جامعة كامبريدج: “إن الانطلاق في البحث من زاوية كتلة الأرض انطلاقة جيدة، فجُل كتلة الأرض حتمًا ستتركز في باطن الأرض.”

بإمكاننا تخمين كتلة الأرض عن طريق مراقبة تأثير الجاذبية على الأجسام الموجودة على سطح الكرة الأرضية. فقد تبين أنها حوالي 5.6 سكستليون طن (أي 59 متبوعة بـ 20 صفرا).

بإمكاننا القول أنه لا يوجد جسم ذو كتلة هائلة بهذا القدر على السطح!

بحسب الباحث ريد فرين: “إن كثافة المعادن الموجودة على سطح الأرض تعد منخفضة بالنسبة إلى متوسط كثافة معادن الأرض ككل. مما يُحتم وجود شيء أكثر كثافة منه وهذا هو الأمر الأول.”

بشكل أساسي فإن كتلة الأرض يجب أن تتمركز في منتصف الكوكب. الأمر التالي أن نسأل عن ماهية المعادن التي شكلت باطن الأرض.

والجواب هنا لا يكون شبه مؤكد أنه يتكون من الحديد بنسبة عظمى. حيث يعتقد أن نسبة الحديد فيه حوالي 80%، ولكن النسبة الدقيقة لاتزال موضع جدل.

الدليل الأساسي على ذلك هي كمية الحديد الضخمة الموجودة في الكون من حولنا. حيث يعد الحديد أحد العناصر العشرة الأكثر انتشارا في المجرة وغالبا ما توجد في النيازك.

إن الحديد موجود بكمية أقل بكثير مما نتوقع على سطح الأرض بالنسبة إلى كمية الحديد الكلية. إن الأرض عندما تشكلت قبل 4.5 بليون سنة بحسب النظرية فإن الحديد وجد طريقه لباطن الأرض.

إذن فالجزء المفقود من كتلة الأرض لابد أن يكون موجودًا في باطن الأرض كذلك الحال بالنسبة للحديد.

تحت الظروف العادية يعد الحديد من المعادن ذات الكثافة العالية نسبيا، وبفعل تأثير الضغط الشديد في باطن الأرض لابد أنه انسحق لتصبح كثافته أعلى. مما يقودنا للاعتقاد بأنه تفسير جيد للجزء المفقود من كتلة الأرض.

والسؤال هنا هو كيف استطاع الحديد الولوج إلى باطن الأرض؟

لابد أن الحديد بطريقة ما تحرك بفعل الجاذبية نحو مركز الأرض ولكن الكيفية في الوقت الراهن غير معروفة.

معظم الجزء المتبقي من الأرض مكون من صخور السلكيات والحديد المنصهر ينتقل فيما بينها تماما كما ينساب الماء على سطح مطلي بالدهن مخلّفًا أثر قطرات. وحين تتنقل جزيئيات الحديد فإنها تتمسك ببعضها البعض مشكلة خزانًا مما يمنعها من الانتشار والسيلان.

هناك فرضية محتملة توصلت إليها الباحثة ويندي ماو وزملاؤها في جامعة ستانفورد عام 2013. تدور الفرضية على تساؤل ماذا يحدث عندما يتعرض الحديد والسلكيات لضغط شديد تماما مثلما يحدث في باطن الأرض؟

من خلال ضغط المادتين باستخدام الألماس تمكن الباحثون من جعل الحديد المنصهر يتدفق بين السلكيات.

“الضغط المتولد أحدث تغيرًا في الطريقة التي يتفاعل بها الحديد والسلكيات، وهذا الضغط أدى إلى تشكل ما يشبه شبكة من المعادن المذابة.” بحسب ما صرحت الباحثة ماو.

وهذا يقودنا للاعتقاد بأن الحديد امتُص للأسفل تدريجيا بواسطة الصخور عبر ملايين السنين إلى أن وصل باطن الأرض.

وصولًا عند هذه النقطة قد تتساءل كيف عرفنا حجم باطن الأرض؟ وما الذي دفع العلماء للاعتقاد بانه يبدأ عند عمق 3000 كم؟ الإجابة تتلخص في كلمتين: علم الزلازل.

علماء الزلازل يقومون بتسجيل الاهتزازات عند حدوث هزة أرضية فعندما تحدث هزة أرضية فإنها ترسل الموجات عبر الكوكب. يمكن تشبيه العملية بأن تقوم بضرب جهة من الكوكب باستخدام مطرقة عملاقة ثم تنتظر سماع الصوت في الجهة المقابلة. بحسب ما قالت الباحثة ريد فرين: “إن الزلزال الذي ضرب تشيلي عام 1960 زودهم بمعلومات هائلة الحجم. فمحطات رصد الزلازل المنتشرة في جميع أنحاء الأرض سجلت وصولا لاهتزازات عقب حدوث ذاك الزلزال.”

بعد تعقب مسار تلك الاهتزازات تبين أنها تمر في مناطق مختلفة من الأرض وهذا يؤثر على الكيفية التي سوف تكون عليها الموجات في الطرف الآخر.

في مرحلة مبكرة من دراسات علم الزلازل، تبين أن بعض الاهتزازات تختفي وتعرف باسم “أمواج-S”. في حين كان يتوقع ظهور الأمواج في الجهة المقابلة من الأرض بعد تولدها في الجهة الأخرى، لوحظ بأن أثرها يختفي!

السبب في ذلك جلي للغاية فهذه الموجات يمكن أن تنتقل فقط في الأوساط الصلبة، في حين أنه من غير الممكن انتقالها في الأوساط السائلة.

وبالتالي فإن هذه الأمواج اعترض طريقها شيء منصهر في مركز الأرض، وبعد تتبع مسار هذه الأمواج تبين أن الصخور تصبح مصهورة على عمق 3000 كم.

مما يؤكد أن باطن الأرض منصهر بالكامل. وهذه ليست المفاجأة الوحيدة في جعبة علم الزلازل.

في ثلاثينيات القرن الماضي، اكتشفت عالمة الزلازل الدنماركية انج ليمان نوعًا آخر من الأمواج تدعى “أمواج-P”. إن هذه الأمواج استطاعت الانتقال خلال باطن الأرض ثم ظهرت بشكل غير متوقع في الجهة المقابلة من الأرض.

استطاعت ليمان الخروج بتفسير مدهش وهو أن باطن الأرض يقسم إلى طبقتين. الطبقة الداخلية الصلبة تبدأ على عمق 5.000 كم والطبقة الخارجية المنصهرة.

ليست الهزات الأرضية الوسيلة الوحيد القادرة على إرسال موجات عبر الأرض. في الواقع يدين علم الزلازل بالكثير من الفضل لاختراع الأسلحة النووية!

تستطيع التفجيرات النووية خلق موجات في الأرض وبالتالي فإن الدول كانت تستعين بعلماء الزلازل في اختبار هذه الأسلحة.

هناك المزيد من الأشياء التي تستحق الاكتشاف! مثل ما مدى حرارة باطن الأرض؟

بحسب ليدنكا فوكادلو من جامعة لندن: “تبين أنه من الصعب تخمين ذلك حتى يومنا هذا، لأنه ليس باستطاعتنا وضع ميزان حرارة هناك. والطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي خلق ظروف مشابهة في المختبر”.

في عام 2013 قام فريق باحثين فرنسيين بوضع أفضل فرضية إلى الآن وذلك بإخضاع الحديد النقي لضغوطات تزيد عن نصف تلك الموجودة في باطن الأرض. في النهاية توصلوا إلى أن درجة الحرارة التي يذوب عندها الحديد في باطن الأرض هي 6.230 سْ، ولكن وجود معادن أخرى يؤدي إلى انصهاره عند درجة حرارة أقل حوالي 6.000 سْ أي ما يعادل درجة حرارة سطح الشمس.

الأمر يشبه قشرة البطاطا التي تبقي عليها دافئة من الداخل. تصميم الكوكب يمكنه من الاحتفاظ بالحرارة لذلك يبقى باطن الأرض ساخنا.

كما أنه يستمد الحرارة بفعل احتكاك المواد ذات الكثافة العالية كما يستمدها من المواد المشعة. ومع ذلك فإن حرارة الأرض تبرد بمعدل 100 س كل بليون عام.

إن معرفة درجة حرارة باطن الأرض أمر مفيد، لأن حرارته تؤثر على السرعة التي تنتقل بها الموجات عبر باطن الأرض.

إن “أمواج-P” تنتقل ببطء غير متوقع وذلك حين تعبر الطبقة الداخلية لباطن الأرض أبطأ مما لو كان مكونًا من الحديد النقي فحسب.

“إن سرعة تلك الموجات أبطأ وبشكل ملحوظ من أي شيء تم قياسه في التجارب أو حسابات الكومبيوتر ولا أحد يعرف السبب”.

مما قاد الباحثين للاعتقاد بوجود مادة أخرى في الخليط من المحتمل أن تكون النيكل، ولكن فرضيات العلماء لم تتطابق تماما مع النتائج.

فوكادلو وزملاؤها يبحثون في إمكانية وجود بعض العناصر الأخرى مثل الكبريت أو السيلكون، ولكن حتى الآن لا توجد فرضية مقبولة.

تقوم فوكادلو حاليا بمحاولة صياغة فرضيات حول المعادن المكونة لباطن الأرض باستخدام الحاسوب وتأمل أن تجد تطابقًا. وتعتقد بأن السر يمكن أن يكون في درجة انصهار عناصر باطن الأرض ونتيجة ذلك سوف تختلف كميتها عما إذا كانت في حالة صلبة. مما يفسر سبب بطء حركة الأمواج.

إذا كان فعلا هذا هو السبب الحقيقي، فإننا سوف نتمكن من المواءمة بين النتائج الفيزيائية للعناصر من نتائج علم الزلازل. ولكن البشر لم يتمكنوا من ذلك بعد.

لاتزال هناك العديد من الألغاز بانتظار العلماء لحلها، ولكن بدون الوصول إلى باطن الأرض المُغرق في العمق استطاع العلماء اكتشاف الكثير من التفاصيل حول ما يحدث على بعد آلاف الكيلومترات تحت أقدامنا.

تمتلك الأرض مجالًا مغناطيسيًا قويًا بفضل باطنها المنصهر جزئيا والحركة المستمرة للحديد المنصهر تخلق مجالًا كهربائيًا داخل الكوكب، وهذا يؤدي إلى توليد مجال مغناطيسي يمتد بعيدًا إلى الفضاء.

إن المجال المغناطيسي يقوم بحمايتنا من خطر الأشعة الشمسية وإذا لم يكن باطن الأرض على هيئته هذه لن يكون هناك مجال مغناطيسي وبالتالي سيكون لدينا الكثير من المشاكل لحلها.

لن يستطيع أحد منا إلقاء نظرة على باطن الأرض، ولكن من الجيد معرفة أنه هناك

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top