Magazine

عوامل القوة في حياة المسلمين

Galerie

الحمد لله القوي المتعال، خالق السماوات والأرض والجبال، منشئ السحاب الثقال، مقلب القلوب ومغير الأحوال، سبحانه جلَّ شأنه، جعل للقوة أسباباً وعوامل، ونصر المتقين بالدين الكامل، وأيَّد جنده بالغيث الوابل، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، إمام الموحين، المؤيد من الله المعين، القوي بنصر الله المتين، من أَمَرَ أمته بالتمسك بما فيه الفتح المبين من كلام رب العالمين، وحديث سيد المرسلين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}(النساء:1)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}(الأحزاب:70-71)، أما بعد:

فإن مما يهفو إليه المسلمون ويتمنونه صباح مساء؛ عودة القوة والتمكين لهم، وارتفاع راية الإسلام على الجبال والتلال، يرافقها عودة الأمن والأمان إلى كل مكان؛ فهم في المشرق والمغرب يتمنون لو ترجع تلك الأيام الماضيات التي كان فيها المسلمون يحكمون العالم، حين هدُّوا عروش كسرى، وأدانوا مدائن فارس، وفتحوا البلاد شرقها وغربها، ونشروا الخير في الأرض شمالها وجنوبها، وصدق محمد إقبال حين قال:

من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا

كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا علـى مـوج البحـار بحـارا

بمعابد الإفرنـج كـان آذاننا قبل الكتائب يفتـح الأمصـارا

لم تنس أفريقيا ولا صحراؤهـا سجداتنا والأرض تقذف نـارا

وكأن ظل السيف ظـل حديقـة خضراء تنبت حولنا الأزهـار

لـم نخـش طاغوتـاً يحاربنــا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا

ندعو جهاراً لا إله سوى الـذي صنع الوجود وقـدَّر الأقـدارا

ورؤوسنا يـا رب فـوق أكفنـا نرجوا ثوابك مغنماً وجـوارا

كنا نرى الأصنام مـن ذهـب فنهدمهـا ونهدم فوقها الكفـارا

لو كان غير المسلمين لحازهـا كنزاً وصــاغ الحلي والدينـارا

ومن الألى ِِِِحملــــوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا

أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبــــان وجه الحق أبلج نيرا

ومن الذي بذل الحياة رخيصة ورأى رضــاك أعز شيء فاشترى

نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جــاماً أحمرا

جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا في مسمع الروح الأمـين فكبرا

لكن المسلمين لن يصلوا إلى هذه الأماني إلا إذا عملوا بالأسباب المؤدية إلى ذلك، وسلكوا طريق الوصول إلى النصر والتمكين، وليس النصر والتمكين أمراً مستحيلاً يقول الدكتور علي الصَّلَّابي: “إن وصول الأمة الإسلامية في هذا الزمان إلى التمكين ليس بالأمر السهل، ولكنه كذلك ليس بالأمر المستحيل، إذ على الرغم من التضييق الشديد، والحرب الضروس التي تُشن على الإسلام والمسلمين؛ فإن كثيراً من المسلمين يرون أن التمكين لدين الله قاب قوسين أو أدنى من ذلك، ومهما رأى الأعداء أن التمكين للإسلام بعيد يشبه المستحيل فإن المسلم واثق بوعد الله أن الأرض يرثها عباده الصالحون، وهذا ليس من باب الأحلام والتمنيات ولكن من باب الثقة في الله تعالى، واليقين بوعده”1.

وقوة المسلمين التي يصلون بها إلى ما يرجونه من النصر والتمكين – بإذن الله تعالى – تأتي عبر أسباب وعوامل وسنن كونية توصل صاحبها إلى مبتغاه، وتحقق للمتمني مُناه، حيث الأخذ بالأسباب مما أمر به الشرع فقال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(التوبة:105)، وقال جل في علاه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(الملك:15)، ويأمر الله تعالى مريم عليها السلام أن تأخذ بالأسباب وهي في أشد حالات ضعفها فيقول جل في علاه: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}(مريم:25)، ويأمر نبيه أيوب عليه السلام مع ما يعانيه من المرض والشدة أن يركض برجله ليشفيه من مرضه فيقول: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}(ص:41-42).

وقد قدَّر الله عز وجل لدينه أن ينتصر، وقدَّر للمسلمين أن يُمكن لهم، وأن ينهزم المشركون؛ لكنه مع كل ذلك لم يأمر المسلمين بأن يقعدوا منتظرين النصر، بل أمرهم بالأخذ بالأسباب، والجد والاجتهاد لتحصيل النصر، والوصول إلى القمة فقال جل في علاه: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}(الأنفال:60)، وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(محمد:7).

وفي هذه الخطبة سنستعرض شيئاً من العوامل التي يتم بها إن شاء الله استعادة القوة للمسلمين، ومشاهدة مشاهد العزة والمجد، واسترجاع تاريخ الشرف والسؤدد، وهي عوامل مقتبسة من كتاب الله جل وعلا، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن حوادث وقصص لنا فيها عظة وعبرة، وليس الأمر محصوراً عليها؛ بل هي خواطر جاد بها الخاطر، وخطرات جاءت بعد تأملات:

1 – فأول هذه العوامل إن قوة المسلمين الحقيقة تكمن في انتسابهم الحقيقي للإسلام، فليست قوتهم في حسبهم، أو نسبهم، بل قوتهم في اعتزازهم بدينهم، و”لما قدم عمر ببن الخطاب رضي على بيت المقدس أراد الصحابة أن يجعلوا له ثوباً يناسب دخوله، وقد اتسخ ثوبه الذي عليه، فزجرهم وقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العز بغيره”2، فالعزة تكون لأهل الدين بدينهم: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(المنافقون:8)، ويقول الله تبارك وتعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}(الزخرف:44)، قال الإمام الطبري رحمه الله: “وإن هذا القرآن الذي أوحي إليك يا محمد الذي أمرناك أن تستمسك به لشرف لك ولقومك من قريش”3، ويقول جل وعز: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء:10) قال ابن عباس : “شرفكم”4، فهذه الآيات العظيمات تخبر أن هذا الدين فيه الشرف والذكر، والعز والتمكين، والرفعة

بالدين يسمو المرء للعلياء        وينال ما يرجو من النعماء

وفي هذه الأيام كثرت النعرات الجاهلية، والتعصبات القبلية، ولكن مع هذا سنظل نردد ونقول: لا عزة إلا بالإسلام

لعمرك ما الإنسان إلا بديـــنه       فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب

فقد رفع الإسلام سلمان فـارس         كما وضع الشرك الشقـيَّ أبا لهب

وكلما ابتعد المسلمون عن دينهم كلما قلّت قوتهم، وازداد وهنهم، وتسلط عليهم عدوهم، فلا حياة إلا بالإسلام، ولا أمن إلا بالإيمان، وصدق إقبال إذ قال:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان        ولا دنيا لمن لم يحي دينا

ومن رضي الحياة بغير دين       فقد جعل الفناء لها قرينا

لقد أدرك أعداء الإسلام بأن قوة المسلمين تكمن في اجتماعهم حول مبادئ هذا الدين، وتمسكهم برابطة الأخوة الإسلامية؛ التي تضمهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم، ولذلك كان لابد من فصم عُرى هذه الأخوة التي تشد المسلم إلى أخيه، وتكون منهم قوة رهيبة يحسب لها الأعداء ألف حساب كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)) رواه البخاري (5665).

2 – الاهتمام بالعلم: ذلك الذي يبدأ مع الإنسان من المهد إلى اللحد، العلم الذي يبحث في صنع الله، وقواميس كونه، ويبحث في الأرض وما يخرج منها، وفي السماء وما يدور فيها، العلم الذي يبحث في تاريخ السابقين، وسير الأولين، كيف عاشوا، وكيف بادوا؟ العلم الذي يوفر للبشرية على الأرض الرخاء، والصحة، والقوة، العلم الذي يكون عوناً للإنسانية أيام السلم، وعدة لها أيام الحروب.

العلم بالله وبكتابه وآياته المحكمة، هذا العلم كان عتاد أسلافنا فسبقوا به العالم في مضمار التقدم والحضارة، وخلَّفوا للإنسانية تراثاً مجيداً من المعرفة أخذته أوربا فصنعوا منه حضارتهم، وحققوا به انتصارات رهيبة في ميدان الذرة والفلك والفضاء.

لقد مضى من الزمن ما يجعلنا نعي الدرس، ونعد لمستقبلنا ما لدينا من وسائل وإمكانات: مادية وبشرية، تجعل حياة المسلمين عزيزة كريمة، وتسود العالم بالحق والخير، والعدل والمساواة، ويتحقق لها رضوان الله في الدنيا والآخرة {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحج:40).

فلنبني المصانع، ولنقم المعامل، ولنمض على بركة الله بما نملك من مصادر للقوة والثروة والسلاح: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}(الأنفال:60).

3- الوحدة والاجتماع، وترك الفرقة والاختلاف قال تعالى في كتابه الكريم: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(الأنفال:46)، وجاء في أضواء البيان: “نهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع مبيناً أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضاً في مواضع أخر كقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}(آل عمران:103)، ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي قوتكم، وقال بعض العلماء: نصركم كما تقول العرب الريح لفلان إذا كان غالباً، ومنه قوله:

إذا هبت رياحك فاغتنمها       فإن لكل عاصفة سكون”5

فأي ريح للمسلين وبعضهم يقتل بعض، وأين قوة المسلمين وكل مجموعة منهم قد تشرذموا وتقوقعوا، فلا يعرفون إلا أنفسهم، وأي مهابة للمسلمين ستبقى عند أعدائهم وكل قُطر من بلاد الإسلام بعيد كل البعد عن الوحدة الإسلامية.

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسـراً         وإذ افترقن تكسرت آحاداً

ومن أعظم أسباب الوحدة والتلاحم، ومتانة التماسك بين المسلمين؛ تحقيق الأخوة الإسلامية، فإن الأخوة هبة من الله سبحانه وتعالى، يهبها لمن أخلص من عباده من الأتقياء الأصفياء يقول تعالى: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(الأنفال:62-63)، والأخوة هي قوة إيمانية تبعث المحبة الصادقة، والود الحقيقي بين كل الموحدين ممن تربطهم كلمة التوحيد، فيتعاونون فيما بينهم، وتظهر بينهم صفات جميلة جداً من إيثار ورحمة، وعفو وتكافل، والأخوة مرتبطة بالإيمان ارتباطاً وثيقاً {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات:10)، ومن أُشرب الأخوة الإيمانية ذاق حلاوة الإيمان فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) رواه البخاري برقم (16)، ومسلم برقم (43) واللفظ له.

وهذا هو الذي ربى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته عليه؛ فآخى بين المهاجرين والأنصار، وبه سطروا أروع الأمثلة في الأخوة والتآلف، والمحبة الصادقة يقول الله سبحانه وتعالى:{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}(الفتح:29).

ولا تقوم الوحدة إلا بالتآخي بين المسلمين يقول الدكتور علي الصَّلَّابي: “إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها، ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير التآخي والمحبة المتبادلة، فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية؛ لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة؛ فلا يمكن أن تتألف منها الدولة، على أن التآخي لابد أن يكون مسبوقاً بعقيدة يتم اللقاء عليها، والإيمان بها، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى خرافة ووهم، خصوصاً إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية، ومن أجل ذلك فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه العقيدة الإسلامية التي جاء بها من عند الله تعالى، والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكاً لأنانيته وأهوائه.

إن المجتمع – أي مجتمع – إنما يختلف عن مجموعة ما من الناس منتشرة متفككة بشيء واحد هو قيام مبدأ التعاون والتناصر فيما بين أشخاص هذا المجتمع، وفي كل نواحي الحياة ومقوماتها، فإن كان هذا التعاون والتناصر قائمين دون ميزان العدل والمساواة فيما بينهم فذلك هو المجتمع الظالم المنحرف.

وإذا كان المجتمع المسلم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق؛ فما الذي يضمن سلامة هذه العدالة، وتطبيقها على خير وجه؟

إن الضمانة الطبيعية والفطرية الأولى لذلك إنما هي التآخي والتآلف”6.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.. أما بعد:

ومن عوامل القوة في حياة المسلمين وهو العامل الرابع:

4- اليقين بوعد الله، فعندما يربط المسلمون على قلوبهم، ويثقون أن نصر الله قادم، وأن الفرج قريب، وأنهم إذا بذلوا أسباب النصر فلن يخذلهم الله تعالى؛ فإن ذلك من أكبر عوامل قوتهم، وقد وعد الله تعالى عباده من أهل الإيمان والعمل الصالح بالنصر والتمكين، فقال جل شأنه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النور:55)، فكيف تكون نفسية من وعد بهذا الوعد وأيقن به، لا نشك في أنه سيكون دائم التفاؤل، وهذا الشعور من أعظم عوامل النصر، ألم تسمع إلى قول الرجلين المؤمنَين من قوم موسى:{قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(المائدة:23) قال الإمام الشوكاني رحمه الله: “قالا هذه المقالة لبني إسرائيل، والظاهر أنهما قد علما بذلك من خبر موسى، أو قالاه ثقة بوعد الله، أو كانا قد عرفا أن الجبارين قد ملئت قلوبهم خوفاً ورعباً”7.

5- الثبات على المبادئ، فمن ثبت على مبادئه ازداد قوة وصلابة في دينه، أما المتزعزع ذو الأوجه المتعددة فأي قوة تبقى لديه، وأي نصر على تلك الحالة يأتيه يقول جل في علاه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}(الحج:11)، أما الثابت على دينه فإنه قد أخذ بسبب عظيم من أسباب النصر والتمكين، خذ هذه القصة وفيها من العظات والعبر الشيء الكثير: “عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الطاغية: تنصَّر وإلا قتلتك أو ألقيتك في النقرة النحاس، قال: ما أفعل، فدعى بنقرة نحاس فملئت زيتاً، وأغليت، ودعا رجلاً من المسلمين فعرض عليه النصرانية فأبى، فألقاه في النقرة فإذا بعظامه تلوح، فقال لعبد الله بن حذافة: تنصر وإلا ألقيتك، قال: ما أفعل، فأمر به أن يلقى في النقرة، فكتفوه فبكى، فقالوا: قد جزع وبكى، قال: ردوه، قال فقال: لا تظن أني بكيت جزعاً، ولكن بكيت إذ ليس بي إلا نفس واحدة يُفعل بها هذا في سبيل الله عز وجل، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة فيَّ، ثم تُسلَّط عليَّ فتفعل بي هذا، قال: فأعجب به، وأحب أن يطلقه، فقال: قبِّل رأسي وأطلقك، قال: ما أفعل، قال: تنصَّر وأزوِّجك ابنتي، وأقاسمك ملكي، قال: ما أفعل، قال: قبِّل رأسي وأطلق معك ثمانين من المسلمين، فقال: أما هذا فنعم، فقبَّل رأسه فأطلقه وثمانين معه، فلما قدموا على عمر قام إليه عمر فقبَّل رأسه”8.

6- العمل بالسنن الكونية التي جعل الله فيها أسباب النهضة والارتقاء، ومن تلك السنن ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم فقال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(الرعد:11)، فالتغيير يبدأ من النفوس، فإن كان التغيير للخير غيَّر الله الحال إلى الخير، وإن كان التغيير إلى الشر غيَّر الله حالهم إلى الشر، والجزاء من جنس العمل يقول السعدي رحمه الله تعالى: “{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من النعمة والإحسان، ورغد العيش {حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها، وكذلك إذا غيَّر العباد ما بأنفسهم من المعصية فانتقلوا إلى طاعة الله؛ غيَّر الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة”9، ومن السنن الكونية في النصر والتمكين قول الملك جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(محمد:7)، فعلق النصر والتمكين بما يقدمه المؤمنون من نصر لله عز وجل، فينصروا دينه في أنفسهم، وأهليهم، وأوطانهم، وجميع مجالات النصر، فإن كان ذلك جاء النصر من الله سبحانه وتعالى.

7- التقلل من الدنيا، وترك المحرمات، وبذل المهج في سبيل الله فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم))10 جاء في عون المعبود: “وسبب هذا الذل – والله أعلم – أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام، وإظهاره على كل دين؛ عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم، فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعزُّ مكان”11.

والتعلق بالدنيا هو سبب ضعف المسلمين، وتسلط الأعداء عليهم فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها))، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذٍ؟ قال: ((بل أنتم يومئذٍ كثيرٍ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا، وكراهية الموت))”12.

8- الاهتمام بالمرأة، فالمرأة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، ويعلم الأعداء أنها سلاح ذو حدين، وأنها قابلة لأن تكون أخطر أسلحة الفتنة والتدمير، ومن هنا كان لها النصيب الأكبر من اهتمام الأعداء الذين يطمعون في تمزيق الأمة، وتضييع طاقاتها، لأن المرأة تملك مجموعة من المواهب الضخمة الجديرة بأن تبني أمة، أو أن تهدم أمة فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) رواه مسلم برقم (99)، وعن أسامة بن زيد وسعيد بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء)) رواه البخاري (4808)، ومسلم (97).

أليست المرأة هي التي تخرج القادة والزعماء، أليست هي التي تُعِدُّ الشهداء، وتربي الأولياء، انظر إلى أبناء أسماء بنت أبي بكر، واقرؤوا تاريخ علي، ومعاوية؛ الذي كان إذا نوزع الفخر قال: وأنا ابن هند، واقرؤوا تاريخ عمر بن العزيز، أو تاريخ عبد الرحمن الناصر، أو تاريخ سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، أو تاريخ ابن حنبل، أو تاريخ الأوزاعي، أو تاريخ ربيعة الرأي، كلهم قامت عليهم نساء فاضلات عرفن حق الله عليهن؛ فرعين أبناءهن خير رعاية، ونشَّأنهم خير تنشئة.

فوجب لذلك توجيه النساء إلى القدوة الحسنة، والتأسي بفضليات النساء في الحشمة، والترفع عن مجالس الإثم ومزالق الخطيئة، فالمرأة في بيتها يجب أن تكون مثال الزوجة الصالحة، فاتقوا الله في أنفسكم، وفي نسائكم وبناتكم، وأحسنوا التوجيه والتربية والقوامة؛ فإن أخطر الفساد ما أصاب هذا النصف من المجتمع.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَزُّ فيه أهل الطاعة، ويُذَلُّ فيه أهل المعصية، ويُؤمر لك فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top