Magazine

طائعة متميزة في رمضان

7

هل سألت نفسك يومًا من الأيام ما هي رسالتك في الحياة؟

زهرتي الطائعة، إن رسالتك المتفردة التي تمنحها لك شريعة الإسلام تبنى كلها على إجابة لأخطر سؤال ظهر على وجه الأرض منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة، وهذا السؤال هو:

لماذا خلقنا على ظهر الأرض؟

ما مهمة الإنسان الحقيقية التي وجد للقيام بها؟

هذا السؤال الذي حير الفلاسفة والمفكرين الذين حُرموا من نور الوحي فضلُّوا وأضلُّوا، أما عقيدتنا الخالدة فهي وحدها فقط التي تملك الإجابة الصحيحة الوحيدة ممثلةً في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

نعم زهرتي الطائعة، فهذا هدفك الأعظم في الحياة أن تمضيها كلها في تحقيق مرضاة الله ، فيكون جزاؤك السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة.

ولكن هل يعني هذا أنك مطالبة بالعكوف على سجادة الصلاة في بيتك أو في المسجد، وترك الدنيا من أجل التفرغ للعبادة؟! كلا بالطبع، إن هذا المفهوم المغلوط الناقص لكلمة العبادة هو الذي أوجد ذلك الفصام النكر بين الدين والدنيا وبين الدنيا والآخرة في حس كثير من المسلمين؛ فالعبادة في مفهومها الصحيح -كما يعرِّفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- هي “كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة”.

فكل فعل لك في هذه الحياة، سواء كان طاعة مشروعة أو عملاً مباحًا إذا ابتغيت به مرضاة الله ، فإنه عبادة تثابين عليها من الله .

وانظري إلى حديث رسولنا الكريم  أن المسلم عندما يأتي شهوته المباحة يُؤجر عليها وتكون له صدقة، فيقول : “… وفي بضع أحدكم صدقة”. فتعجب الصحابة من ذلك، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: “أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر”.

وانظري معي إلى قول الأستاذ محمد قطب في شأن العبادة: “والعبادة تشمل كل نشاط الإنسان في الأرض {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]”.

وها هو النبي  يبين لنا هذا المفهوم العظيم ويعقد الصلة بين الدنيا والآخرة، فيقول : “إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها”.

تأملي معي هذا الحديث المعجز، لقد كان من المتوقع والقيامة قد أوشكت أن تقوم أن يأمرنا  بالتوبة والاستغفار ونسيان الدنيا والإقبال على الآخرة، ولكنه  يأمرنا بغرس الفسيلة، فسيلة النخل التي لا تثمر إلا بعد سنين طويلة.

وما ذاك إلا ليعلمنا هذا الدرس العظيم، (وهو أن طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق، إنهما ليسا طريقين منفصلين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة وطريق للدنيا اسمه العمل، إنما هو طريق واحد أوَّله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة، ولا العبادة عن العمل، كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام. أما هذا الفصل المتعسف بين الدنيا والآخرة أو بين العمل والعبادة، فليس من الإسلام في شيء، الإسلام أن يأكل المسلمون باسم الله، ويتزوجوا باسم الله، ويتعلموا باسم الله وفي سبيل الله، ويعملوا وينتجوا ويتفوقوا باسم الله، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا؛ لأنهما طريق واحد لا يفترقان).

فأنتِ -عزيزتي المرأة المسلمة- مطالبة بعمارة الأرض وصناعة الحياة، تمامًا كما أنك مطالبة بالصيام والصلاة.

والخلاصة أننا الآن نستطيع أن نضع رسالة عامة لا بد أن يحملها كل مؤمن ومؤمنة في الحياة، وهي إرضاء الله تعالى من خلال:

– الالتزام بمنهج الإسلام في نفسه وماله وأهله.

– صناعة الحياة عن طريق التفوق في التخصص المهني، سواء في الوظيفة أو الدراسة أو غير ذلك.

والمسلم مخير في صورة هذه الرسالة، بمعنى أنه يختار التخصص الذي يناسبة في الحياة ليتفوق فيه، ويساهم من خلاله في خلافة الله  في الأرض.

اتفقنا -عزيزتي المرأة المسلمة- أن الهدف العام ورسالتك في الحياة هي (إرضاء الله تعالى من خلال النجاح في تخصصك)، وهذه الرسالة العامة لا يمكن أن تتحول إلى واقع عملي إلا إذا تم تحويلها إلى رؤية واضحة تمتد لتشمل جميع جوانب حياتك، وهذه الجوانب هي:

الجانب الإيماني – الجانب الأسري – الجانب المهني – الجانب الصحي – الجانب المالي – الجانب الاجتماعي – الجانب الثقافي العلمي – الجانب الترفيهي – الجانب التطوعي – الجانب التطويري.

وإذا تساءلت -عزيزتي المرأة المسلمة- ما علاقة هذا الكلام بالحديث عن رمضان؟

أقول: إن الجانب الإيماني هو من أهم الجوانب على الإطلاق الذي يتوقف عليه نجاح المؤمنة في بقية الجوانب العشرة؛ حيث إنه فوق كونه أساس العلاقة مع الله، ولا ينجو الإنسان يوم القيامة من النار ولا يفوز برضوان الله وجنته إلا بالنجاح فيه، إلا أنه أيضًا يحقق الاستقرار والتوازن النفسي ويمنح الإنسان شعورًا بالطمأنينة والسكينة والسعادة والصحة النفسية؛ مما يولد لديه دافعية كبيرة للتقدم والنجاح.

يقول الله : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]. ويقول أيضًا: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

وفي علم النفس أن وراء كل سلوك دافعًا، والمؤمن دافعه أخروي إيماني موصول بربه، والدوافع الأخروية أقوى أنواع الدوافع وأعظمها قدرًا ومكانة وأكثرها ملازمة للإنسان؛ لأنها تدفع الإنسان في السر والعلن وفي كل الأوقات والأحوال وأينما كان، ولأنها دوافع تؤدي به إلى السمو والاستعلاء والعزة والشرف؛ فالدافع الديني هو ميزة الإنسان وخصوصية، والدافع العبادي هو مناط رفعة وكرامة.

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top