Magazine

الثقة بنصر الله

نصرت الله

تظهر حقيقة اليقين بالله في مراحل الضعف، إذ ليس صاحب اليقين مَن تنفرج أساريره وينشرح صدره ويتهلل وجهه حين يرى قوة الإسلام وعزة أهله وبشائر نصره، وإنما يكون اليقين لصاحب الثقة بالله مهما حلك الظلام، واشتد الضيق، واجتمعت الكروب، وتكالبت الأمم، لأن أمله بالله كبير ويقينه بأن العاقبة للمتقين، وأن المستقبل لهذا الدين.

ولأن المجاهد يسعى لإقامة دين الله في الأرض، فإن سبيله إلى ذلك الصبر واليقين، يقول ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)} (السجدة).
وأهم ما يؤتاه المرء اليقين، كما في الحديث: “وسلوا الله اليقين والمعافاة، فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة”(صحيح الجامع، صححه الألباني).

ولا تهلك هذه الأمة إلا حين يبخل أبناؤها بتقديم الجهود المتاحة لنصرتها، ثم يتجرعون كؤوس الأمل بلا عمل، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل”(صحيح الجامع،حسنه الألباني).

ولأن الله وحده هو عالم الغيب فلا ندري متى النصر؟ ولا نعلم أين الخير؟ ولكن الذي نعلمه أن أمتنا أمة خير بإذن الله يرجى لها النصر من الله ولو بعد حين، ويشير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: “مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره”(صحيح الجامع، صحيح).

ولا ندري على يد أي جيل يكشف الله الغمة، ويرفع شأن هذه الأمة ولكن الذي ندريه أن سنة الله في الكون كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة”(صحيح الجامع، حديث حسن).

لقد جاءت بشائر كثيرة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تجدد الأمل وتثبت اليقين، منها وعد الله بأن يبلغ ملك الأمة المشارق والمغارب ومازالت هناك بقاع لم تقع تحت المسلمين، ولابد أن يفتحها الإسلام، كما في الحديث:
“إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها”(رواه مسلم).

فإذا عرفنا أن الأصل في الإسلام العلو والسيادة والتمكين، فلا نستيئس من ضعف المسلمين حينا من الدهر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام يعلو ولا يعلى”(صحيح الجامع، حديث حسن).

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم باستمرار زيادة الإسلام: ” ولا يزال الإسلام يزيد وينقص الشرك وأهله، حتى تسير المرأتان لا تخشيان إلا جورا، والذي نفسي بيده لا تذهب الأيام والليالي، حتى يبلغ هذه الدين مبلغ هذا النجم” (صحيح الجامع، صحيح).

فالأمل باق، وامتداد سلطان المسلمين مستمر بإذن الله .

وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببشريات تذيب كل يأس، وتدفع كل قنوط، وتثبت كل صاحب محنة، وتريح قلب كل فاقد للأمل بأبناء هذا الدين، حين لا يجد بصيص أمل يلمع له حيث قال: “بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض…. “.

والجهاد مستمر إلى يوم القيامة، والطائفة الظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها، وهي مستمرة حتى يأتي أمر الله، وفي ذلك يقول: ” لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة” (رواه مسلم).

والمقياس عند الله غير مقياس البشر، إن الله يجعل من الضعف قوة ، وذلك واضح من التأمل في قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم” (صحيح سنن النسائي للألباني).

إن ذلك المسلم المسوق بالأغلال، المحبوس في الأقبية، الملاحق في كل مكان، الفاقد للسلاح، الفقير المعدم، بدعوته وصلاته وإخلاصه ينصر الله هذه الأمة، رغم كل صور الضعف التي تمثلت فيه، وكما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم الله على الله لأبره”(رواه مسلم).

قد نرى القوة اليوم بيد أعدائنا والغلبة لهم علينا… ولكن لا ننسى أن الله هو المتصرف بهذا الكون، وعينه لا تغفل عن عباده المؤمنين، ولن يرضى لهم دوام الذلة واستمرار القهر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواما، ويضع آخرين”(صحيح الجامع، صحيح).

ولابد أن يرفعنا بعد أن وضعنا، إذا رأى منا صدق السعي لمرضاته.

وفي كل قرن يعيد الله اليقين إلى نفوس الأمة، بأن يجعل فيها سباقين في الخير، لا يبالون بالمحن، يتأسى الناس بهم كما في الحديث: ” في كل قرن من أمتي سابقون ” (صحيح الجامع، حسن).
كما يجعل في الأمة من يصحح لها المفاهيم، ويسير بها على الجادة، ويقودها إلى الهداية، ويجدد لها أمر دينها، وقد بشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ” (رواه أبو داود وصححه الألباني). فإما أن يأتي الفرج على أيدي السابقين، وإما أن يأتي على أيدي المجددين، ولكن الكرب لا يدوم.

وجميع أعداء الإسلام واقعون في دائرة تهديد الله لهم بالحرب، ومن كان الله حربا عليه فلا خوف منه ولا أمل باستمرار سلطانه علينا كما جاء في الحديث القدسي: ” من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب… ” (رواه البخاري).

فلنتواص بالصبر على البلاء، والثبات إذا وقع القضاء، ولنكن بشير خير، ولا نكونن نذير شر، ولنقل للمتشائمين بعد طول انتظار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حينما اشتكوا من كثرة البلاء وشدته: ” والله ليتمن الله هذا الأمر…. ولكنكم تستعجلون “.

إن الثقة التي يريدها الرب سبحانه وتعالى من عباده هي الثقة التي تحققت في أم موسى عمليا حين قال عنها: { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (من الآية:7) وهكذا ألقته في اليم ولم تخف ولم تحزن، مع أن اليم خطير على الطفل الرضيع عادة، وكتب الله له النجاة، وتلقى فرعون الطفل الرضيع، ولم يخف من كفالته في قصره، لأن الطفل الرضيع لا يخيف من رباه عادة، فكان هلاك فرعون على يديه، وهكذا تجري عجائب قدر الله…

وقد حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أصناف من الناس لا خير فيهم: “ثلاثة لا تسأل عنهم.. ورجل في شك من أمر الله، والقنوط من رحمة الله ..” (صحيح الجامع، صحيح).

ولذلك فإن الأمة التي نخرها الشك، ونهشها القنوط لا يرجى خيرها ما لم تستعد الثقة واليقين بنصر رب العالمين.
إن عقيدة الإيمان بالقدر مصدر من مصادر الثقة بأن العاقبة للمتقين، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لكل شيئ حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ” (صحيح الجامع، صحيح).

ليست المسألة مسألة تخلف وعد الله حاشاه سبحانه ولكنها مسألة التوقيت المقدور، والأجل المحدود، الذي لا يتقدم لاستعجال متعجل، ولا يتأخر لهوى كسول، ولذلك كان عمر بن عبدالعزيز كثيرا ما يدعوا: [ اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيئ أخرته، ولا تأخير شيئ عجلته]. وبهذه النفسية تزول ظاهرة الاستعجال، ويطمئن القلب بأن العاقبة للمتقين.

ولئن مرت الأمة بفترات ضعف فلا ننس أنها تقادير الله ، الذي يقدر على إعادة عز ضاع، واسترجاع سيادة مضت، وشأن البشر الصعود والنزول، كما في الحديث: ” مثل المؤمن مثل السنبلة، تميل أحيانا وتقوم أحيانا” (صحيح الجامع، صحيح). المهم أنها تقوم يوما ما، وتلك سنة كونية وهذا اليوم آت لا محالة إذا توفرت الأسباب.

وهكذا مضت سنة الله في الأمم، كما في الحديث ” عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد… “. ومع ذلك استمرت الدعوة، وستبقى مهما لقيت من الضعف في بعض الأزمان، ولن يعيب النبيَّ الذي ليس معه أحد أنه لم يهتد على يديه أحد، رغم بذله جهده في دعوته، كما لا يعيب المجاهد ألا يصل إلى النصر، رغم طول جهاده، إنما يعيبنا التقصير في أخذ الأسباب، والبخل بالجهد المستطاع وإن قل والباقي تعهد به الله حين يشاء.

ولما يخشاه الشهداء على من بعدهم من الأحياء من ضعف الثقة المفضي إلى الزهد بالجهاد، أو اليأس من ثماره، يقولون لربهم سبحانه وتعالى: ” من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم … ” (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

فلابد لليل أن ينجلي، ولابد للغثاء أن يذهب جفاء، ولابد لما ينفع الناس أن يمكث في الأرض، ويمضي قدر رب العالمين في أن تكون العاقبة للمتقين.

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top