Magazine

أين دور الأسرة؟

Galerie

لحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.. أما بعد:

فإن حديثنا في هذا الموضوع سيكون: عن دور الأسرة في تربية الأبناء التربية الصالحة، ليكون الطفل والشاب محافظاً على دينه وأخلاقه، والأسرة بهذا تعين المدرسين في المدارس والمحفظين في دور القرآن الكريم على التربية الشاملة.. فالأسرة تعتبر اللبنة الأولى في كيان المجتمع، وهي الأساس المتين الذي يقوم عليه هذا الكيان، فبصلاح هذا الأساس يصلح البناء، ومنها يكتسب علومه الأولى ومعارفه وخبراته وأخلاقه، من أبيه وأمه وإخوانه، وبقية أفراد أسرته.

إن مسؤولية تربية الأبناء تقع على الوالدين في المرتبة الأولى، ونعني بالتربية معناها الشامل ولا تعني توفير الطعام، والشراب والكساء والعلاج وغيرها من أمور الدنيا، بل تشمل كذلك ما يصلح الإنسان ويسعده من غرس القيم والفضائل الكريمة والآداب والأخلاقيات والعادات الاجتماعية التي تدعم حياة الفرد وتحثه على أداء دوره في الحياة، وإشعاره بمسئوليته تجاه مجتمعه ووطنه، وتجعله مسلماً صالحاً في المجتمع، تبني فيه قيماً عظيمة وأخلاقاً سامية مثل: الصدق والمحبة والتعاون والإخلاص وإتقان العمل.

لقد جعل الله -عز وجل- الأبناء من الأمانة، كما قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} (72) سورة الأحزاب، فمن ضمن معاني الأمانة؛ أمانة الأهل والأولاد، فيلزم الولي أن يأمر أهله وأولاده بالصلاة، ويحفظهم من المحارم واللهو الباطل، لأنه مؤتمن ومسؤول عما استرعاه الله. والله -عز وجل- قد فطر الناس على حب أولادهم قال تعالى: {المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدنيا} (46 الكهف)، ومسؤولية الوالدين في ذلك كبيرة، فالأبناء أمانة في عنق والديهم، وينبغي التركيز على تربية المنزل أولاً، وتربية الأم بالذات في السنوات الأُوَل فقلوبهم الطاهرة جواهر نفيسة خالية من كل نقش وصورة، وهم قابلون لكل ما ينقش عليها، فإن عُوِّدُوا الخير والمعروف نشأوا عليه، وسُعِدوا في الدنيا والآخرة، وشاركوا في ثواب والديهم، وإن عُوِّدُوا الشر والباطل، شقُوا وهلكُوا، وكان الوِزْرُ في رقبة والديهم والوالي لهم. وما أجمل مقولة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: “الصلاح من الله والأدب من الآباء” وما أجمل عبارة: “إن وراء كل رجل عظيم أبوين مربيين” وكما يقول بعض أساتذة علم النفس: “أعطونا السنوات السبع الأولى للأبناء نعطيكم التشكيل الذي سيكون عليه الأبناء” وكما قيل: “الرجال لا يولدون بل يُصنعون”. وكما عبر الشاعر:

وينشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنا                 على ما كان عَوَّدَهُ أبُوهُ

وإهمال تربية الأبناء جريمة يترتب عليها أَوْخَم العواقب كما قال الشاعر:

إهمالُ تربية البنين جريمةٌ       عادت على الآباء بالنكباتِ

ويقول ابن القيم -رحمه الله-: “فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً، فأضعتك شيخاً”1 ونذكر قصة تدل على إهمال التربية بل والقدوة السيئة: سرق رجل مالاً كثيراً، وقُدّم للحد فطلب أمه، ولما جاءت دعاها ليقبلها، ثم عضها عضة شديدة، وقيل له ما حملك على ما صنعت؟ قال: سرقت بيضة وأنا صغير، فشجعتني وأقرتني على الجريمة حتى أفضت بي إلى ما أنا عليه الآن”2. وعلى الأسرة توعية  الأبناء بما يحيط بهم من أخطار، وتصحيح ما لديهم من مفاهيم خاطئة، لأن وقوع الشباب في مشاكل وانحرافات هو نتيجة لإهمال الأسرة لدورها في تربية الأبناء، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (6) سورة التحريم، فالتوعية هي الوسيلة المهمة في بناء شخصية الطفل كفرد وكشخصية اجتماعية، وبث فيهم روح الألفة والمحبة، وتعويدهم على النظام والتعاون. وتربية الأبناء من قبل الأسرة لا بد أن تكون تربية مستمرة، ولا يظن كثير من الآباء والأمهات أن دورهم في تربية أولادهم ينتهي عند بلوغ الولد أو البنت سن معين فيترك ظناً أن أولادهم كبروا في السن ولا يحتاجون إلى توجيه ومتابعة، وهذا خلل في التربية ينتج عنه مشاكل لا تحمد عقباها، فمسؤولية الأبوين لا تنتهي مهما كبر الأبناء، فهم في حاجة دائماً إلى التوجيه والنصح والإرشاد، وبحاجة لخبرات وتجارب كبار السن. فمن أبرز الجوانب التي يجب على الأسرة أن توجه أبناءها إليها هي وسائل الإعلام فهي سلاح ذو حدين، وخطورتها في إفساد الجيل شديدة، ومما يدل على خطورة الغزو الفكري والإعلامي على الأبناء قول شمعون بيريز -رئيس وزراء إسرائيل السابق-: “لسنا نحن الذين سنغير العالم العربي، ولكنه ذلك الطبق الصغير الذي يرفعونه على أسطح منازلهم!!” وما أكثر الأطباق الفضائية على بيوت المسلمين! وليتهم يتعلمون منها ما ينفع، لكن للأسف فقد أصبحت الأنظار تتجه إلى كل ما يحط من قدر الإنسان المخلوق المكرم عند الله، إلا ما ندر ممن وجه ذلك التوجيه السليم.

فلا بد من تقديم البديل النافع للأسرة من الوسائل المسموعة أو المرئية أو المكتوبة، وإبعادهم عن رفاق السوء، وهذه النقطة في غاية الأهمية، فلا يمكن أن تكتمل تربية الأسرة إذا كان لأولادهم رفاق سوء يهدمون ما بناه الوالدان، فمعظم الجرائم، وتعاطي المخدرات، والانحراف الفكري يقف خلفه رفاق السوء. ومن ذلك تربية الأولاد على أهمية المحافظة على أوقاتهم، وصرفها فيما يعود عليهم بالنفع، وكذلك شغل أوقاتهم وتوجيه طاقاتهم عن طريق البرامج العلمية النافعة، والدورات التدريبية المفيدة، و ممارسة الرياضة البدنية. وقيام الآباء والأمهات بمتابعة سير أبنائهم الدراسي من فترة لأخرى، فالزيارات المستمرة للمدرسة تعطي ولي الأمر تصوراً واضحاً عن ابنه في المدرسة، ليس فقط فيما يتعلق بوضعه الدراسي، ولكن أيضاً التعرف على سلوكياته ونشاطاته داخل المدرسة، مما يتيح له من خلال التعاون مع المدرسة تعزيز السلوكيات الإيجابية، والتصدي لكل ما يمكن أن يعود بالضرر على الفرد أو مجتمعه”3.

ولعل الدور الأكبر في هذه المهمة يقع على الأب، وبالأخص عندما يكون متعلماً ولديه دراية بكثير من المواضيع والأمـور التي تهم أبناءه وأسرته فيجب أن يكون الموجه الأول والقدوة المثلى للأبناء وألا يلقي بالعبء على كاهل ألام من خلال معرفة من هم أصدقاء الأبناء ومع من يجتمعون خارج المنزل ومن أي النوعيات هم ومدى مناسبتهم للأبناء من حيث السن والمستوى الدراسي والفكري والاقتصادي والقرب المكاني والالتزام الأخلاقي، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع)4 ولا بد أن يكون الأب متمتعاً بثقافة تربوية كافية والتخلق بها لتوجيه الأولاد توجيهاً سليماً، وأن يقف على كتب الحديث والسيرة ويقتبس من حياة النبي  -صلى الله عليه وسلم- وأساليبه في تربية أولاده، والتعرف على خصائص نمو كل مرحلة عمرية يمر بها الأولاد، ومطالب وحاجات كل مرحلة، وأن يسلك الأبوان في تربية أولادهما مسلك الاعتدال والوسط”5.

والواقع أن تربية الأبناء ليس بالأمر السهل، بل هي مسؤولية كبيرة مشتركة بين الأسرة ومدارس التحفيظ والمدارس النظامية والمحاضن التربوية المختلفة، ويتطلب الأمر الكثير من الجهد والتخطيط وتحديد الأهداف، ومعرفة الوسائل والطرق اللازمة للحصول على تلك الأهداف في تكوينِ شخصيةِ الأبناء، وتوجيهِ سلوكِهمِ، وإعدادهم للمستقبل.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

Click to comment

Leave a Reply

Most Popular

 
To Top